العيني

53

عمدة القاري

الظاهر أنه من غلبة السوداء وشدتها كلما ينزل الطعام في معدته يحترق وإلاَّ فلا يتصور أن يسع في المعدة أكثر ما يسع فيه ، وقد ذكر أهل الأخبار أن رجلاً من أهل البادية أكل جملاً وامرأته أكلت فصيلاً ثم أراد أن يجامعها فقالت : بيني وبينك جمل وفصيل كيف يكون ذاك ؟ قوله : ( اليد العليا خير من اليد السفلى ) ، قد مر الكلام فيه مستقصىً في : باب لا صدقة إلاَّ عن ظهر غنى . قوله : ( لا أرزأ ) ، بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الزاي وبالهمزة : معناه لا أنقص ماله بالطلب ، وفي ( النهاية ) : ما رزأته أي : ما نقصته ، وفي رواية لإسحاق : ( قلت : فوالله لا تكون يدي بعدك تحت يد من أيدي العرب . قلت : هذا معنى قوله : ( بعدك ) ، الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، ويحتمل أن يكون المعنى : غيرك ، قال الكرماني : فإن قلت : لِمَ امتنع من الأخذ مطلقا وهو مبارك إذا كان بسعة الصدر مع عدم الإشراف ؟ قلت : مبالغة في الاحتراز إذ مقتضى الجبلة الإشراف والحرص والنفس سراقة والعرق دساس ، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه . قوله : ( فأبى أن يقبل منه ) ، أي : فامتنع حكيم أن يقبل عطاءً من أبي بكر في الأول ، ومن عمر في الثاني ، وجه امتناعه من أخذ العطاء مع أنه حقه لأنه خشي أن يقبل من أحد شيئا فيعتاد الأخذ فتتجاوز به نفسه إلى ما لا يريده ، ففطمها عن ذلك وترك ما يريبه إلى ما لا يريبه ، ولأنه خاف أن يفعل خلاف ما قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لأنه قال : لا أرزأ أحدا بعدك ) . حتى روى في رواية : ( ولا منك يا رسول الله ؟ قال : ولا مني ) . قوله : ( فقال عمر ، رضي الله تعالى عنه : إني أشهدكم ) إنما أشهد عمر ، رضي الله تعالى عنه ، على حكيم لأنه خشي سوء التأويل ، فأراد تبرئة ساحته بالإشهاد عليه ، وأن أحدا لا يستحق شيئا من بيت المال بعد أن يعطيه الإمام إياه . وفي ( التوضيح ) : وأما قبل ذلك فليس بمستحق له ، ولو كان مستحقا له لقضى عمر على حكيم بأخذه ، ذلك يدل عليه قول الله تعالى ، حين ذكر قسم الصدقات ، وفي أي الأقسام يقسم أيضا : * ( كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه ) * ( الحشر : 7 ) . الآية . فإنما هو لمن أوتيه لا لغيره . وإنما قال العلماء في إثبات الحقوق في بيت المال مشددا على غير المرضى من السلاطين ليغلقوا باب الامتداد إلى أموال المسلمين ، والسبب إليها بالباطل ، ويدل على ذلك أن من سرق بيت المال أنه يقطع ، وزنى بجارية من الفىء أنه يحد ، ولو استحق في بيت المال أو في الفيء شيئا على الحقيقة قبل إعطاء السلطان له لكانت شبهة تدرأ الحد عنه . قلت : جمهور الأمة على أن للمسلمين حقا في بيت المال والفيء ، ولكن الإمام بقسمه على اجتهاده ، فعلى هذا لا يجب القطع ولا الحد للشبهة وسيجئ تحقيقه في : باب الاجتهاد ، إن شاء الله تعالى . قوله : ( حتى توفي ) ، زاد إسحاق بن راهويه في ( مسنده ) من طريق معمر بن عبد الله بن عروة مرسلاً : أنه ما أخذ من أبي بكر ولا عمر ولا عثمان ولا معاوية ديوانا ولا غيره حتى مات لعشر سنين من إمارة معاوية ، وزاد ابن إسحاق أيضا في ( مسنده ) من طريق معمر عن الزهري : فمات حيت مات وأنه لمن أكثر قريش مالاً . ذكر ما يستفاد منه فيه : ما قال المهلب : إن سؤال السلطان الأكبر ليس بعار . وفيه : أن السائل إذا ألحف لا بأس برده وموعظته وأمره بالتعفف وترك الحرص . وفيه : أن الإنسان لا يسأل إلا عند الحاجة والضرورة لأنه إذا كانت يده السفلى مع إباحة المسألة فهو أحرى أن يمتنع من ذلك عند غير الحاجة . وفيه : أن من كان له حق عند أحد فإنه يجب عليه أخذه إذا أتى ، فإن كان مما لا يستحقه إلاَّ ببسط اليد فلا يجبر على أخذه ، وفيه : ما قال ابن أبي جمرة : قد يقع الزهد مع الأخذ ، فإن سخاوة النفس هو زهدها . تقول : سخت بكذا أي : جادت ، وسخت عن كذا أي : لم تلتفت إليه . وفيه : أن الأخذ مع سخاوة النفس يحصل أجر الزهد والبركة في الرزق ، فظهر أن الزهد يحصل خيري الدنيا والآخرة . وفيه : ضرب المثل بما لا يعقله السامع من الأمثلة ، لأن الغالب من الناس لا يعرف البركة إلاَّ في الشيء الكثير ، فبين بالمثال المذكور أن البركة هي خلق من خلق الله تعالى ، وضرب لهم المثل بما يعهدون بالأكل إنما يؤكل ليشبع فإذا أكل ولم يشبع كان عناء في حقه بغير فائدة ، وكذلك المال ليست الفائدة في عينه وإنما هي لما يتحصل به من المنافع ، فإذا كثر المال عند المرء بغير تحصيل منفعة كان وجوده كالعدم . وفيه : أنه ينبغي للإمام أن لا يبين للطالب ما في مسألته من المفسدة إلاَّ بعد قضاء حاجته لتقع موعظته له الموقع لئلا يتخيل أن ذلك سبب لمنعه حاجته . وفيه : جواز تكرر السؤال ثلاثا . وجواز المنع في الرابعة . وفيه : أن رد السائل بعد ثلاث ليس بمكروه . وأن الإجمال في الطلب مقرون بالبركة .